محمد متولي الشعراوي
1397
تفسير الشعراوى
التَّلاقِ ( 15 ) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 ) ( سورة غافر ) إن قول الحق هنا : « مالِكَ الْمُلْكِ » توضح لنا أن ملكية اللّه وهي الدائمة والقادرة واضحة ، وجلية ، ومؤكدة ، ولو قال اللّه في وصف ذاته : « ملك الملك » لكان معنى ذلك أن هناك بشرا يملكون بجانب اللّه ، لا ، إنه الحق وحده مالك الملك . وما دام اللّه هو مالك الملك ، فإنه يهبه لمن يشاء ، وينزعه ممن يشاء . وهنا نلاحظ أن قول الحق : إنه مالك الملك يعطى الملك لمن يشاء وينزع الملك ممن يشاء تأتى بعد عملية المحاجّة ، وبعد أن تهرب بعض من أهل الكتاب من تطبيق حكم اللّه بعد أن دعوا إليه ، فتولى فريق منهم وأعرض عن حكم اللّه ، وعللوا ذلك بادعاء أنهم أبناء اللّه وأحباؤه وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات . كل هذه خيارات من لطف اللّه وضعها أمام هؤلاء العباد ، خيارات بين اتباع حكم اللّه أو أتباع حكم الهوى ، لكنهم لم يختاروا إلا الاختيار السئ ، حكم الهوى . ولذلك يأتي اللّه بخبر اليوم الذي سوف يجئ ، ولن يكون لأحد أي قدرة ، أو اختيار . إن حق الاختيار موجود لنا في هذه الدنيا ، وعلينا أن نحسن الاختيار في ضوء منهج اللّه . ولنتأمل هذا المثل الذي حدثتنا عنه السيرة النبوية الطاهرة ، حينما جاءت غزوة الأحزاب التي اجتمع فيها كل خصوم الدعوة ، واشتغل اليهود بالدس والوقيعة ، وأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحفر بمشورة سلمان الفارسي خندقا حول المدينة المنورة . ومعنى « الخندق » ، أي مساحة من الأرض يتم حفرها بما يعوق التقدم . وكان المقاتلون يعرفون أن الفرس يستطيع أن يقفز مسافة ما من الأمتار . لقد حاول المؤمنون أثناء حفر الخندق أن يكون اتساعه أكبر من قدرة الخيل ، ولننظر إلى دقة الإدارة عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إن سلمان الفارسي قد اقترح أن يتم حفر الخندق ، وفيما يبدو أنه قد أخذ الفكرة من بيئته وقبل الرسول صلى اللّه عليه وسلم الفكرة وأقرها ، وفعلها المسلمون .